برنامج المحافظة على حرف الصناعة التقليدية المهددة بالانقراض

يتوفر المغرب على موروث حرفي تقليدي ذا إشعاع دولي يتميز بتنوعه وغناه و أصالته، حيث شكلت الحرف التقليدية عبر العصور المجال المتميز لبلورة وتجسيد مهارات وإبداعات الصانعات والصناع التقليدين  المغاربة الذين تفننوا في تقنيات النقش والنحث والزخرفة، مستلهمين إبداعاتهم من الطبيعة والأشكال الهندسية المختلفة للتراث الثقافي والحضاري المغربي.

وقد ظلت هذه الثروة الحرفية الوطنية، وما تحمله معها من ذاكرة وقيم مشتركة، ومن ممارسات وطقوس وتعابير، حية تقاوم تقلبات العولمة والتطور المستمر الذي تعرفه أساليب الإنتاج، واستطاعت أن تفرض نفسها كرصيد ثقافي غير مادي، يعزز  الهوية الجماعية للمغاربة ويدعم صورة المغرب، وأيضا كوسيلة تساهم من خلال الأنشطة المدرة للدخل، في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

 على الرغم من ذلك، تبقى مجموعة من حرف الصناعة التقليدية معرضة للزوال سواء لأسباب طبيعية ترتبط بالمواد الأولية، أو بشرية تتعلق بالتقلص الكبير في عدد الصناع المهرة الحاملين للمعارف والمهارات والتقنيات المرتبطة بهذه الحرف، أو لقلة إقبال الشباب على التكوين في هذه الحرف لضمان استمرارية هذا التراث وتناقله بين الأجيال.

ونظرا لكل هذه العوامل وأهميتها، تولي وزارة السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي عناية خاصة لبرنامج المحافظة على حرف الصناعة التقليدية ذات الحمولة الثقافية، وعلى المعارف والمهارات المرتبطة بها.

و تعتمد  الوزارة في هذا البرنامج ثلاث محاور أساسية : المحافظة على هذه الفنون والمهارات عبر التوثيق والتوصيف الدقيق للمعارف والتقنيات، تثمينها عبر عملية مندمجة للإنعاش وضمان توارثها عبر الأجيال من خلال توفير تكوين ملائم. وقد أثمر هذا البرنامج بفضل تعاون الجميع نتائج ملموسة ومشجعة، تمثلت في وضع المنهجية الملائمة والمقاربة العلمية المناسبة للمحافظة على هذا الموروث مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية المحافظة على البيئة والتنمية المستدامة.

فإلى حدود سنة 2019 مكن هذا البرنامجمن توصيف وتوثيق (32) حرفة، بين لائحة أولية تضم 42 حرفة تم تصنيفها كحرف مهددة بالانقراض، ومن وضع المنظومة التكوينية الملائمة لضمان الانتقال الدائم للمهارات والمعارف المرتبطة بهذه الحرف عبر الأجيال، عبر شبكة مؤسسات التكوين في فنون الصناعة التقليدية، وباعتماد  التقنيات الحديثة في المجال السمعي البصري والمعلومياتي، من خلال إحداث موقع إلكتروني موجه للتكوين في مجال  المحافظة على الحرف المهددة بالانقراض.

رابط الموقع الالكتروني :

ولكون إشكالية صون التراث الثقافي غير المادي يكتسي أهمية وطنية وبعدا دوليا،    وقيمة إنسانية، و تعتبر مسؤولية جماعية، فالوزارة تعمل على نهج سياسة الشراكة البناءة والتفاعل مع المحيط الإقليمي والجهوي من خلال:

  • تنظيم ملتقيات سنوية الهدف منها رصد المنجزات وفتح أفاق الحوار والتشاور وتدارس التجارب الوطنية والدولية حول هذا الموضوع،  وتكريم الصناع الحاملين للمعارف والمهارات والمساهمين في هذه عملية التوصيف والتوثيق.
  • المبادرة النوعية التي قامت بها الوزارة عبر إعطاء هذا المنحى بعدا قاريا تمثل في تنظيم مناظرة إفريقية حول حماية التراث الثقافي غير المادي المرتبط بحرف الصناعة التقليدية بالبلدان الإفريقية، توجت أشغالها “بإعلان الدار البيضاء” للمحافظة على الموروث الحرفي الإفريقي.
  • الشراكة مع منظمة اليونسكو التي تولي عناية خاصة للموروث الثقافي اللامادي. وتتمحور هذه الشراكة حول إعداد وإنجاز مشاريع لصون التراث الثقافي لحرف الصناعة التقليدية والاستثمار فيه،مثل:
    • الدراسة  حول “تأثير التغيرات المناخية على المحافظة على التراث الثقافي غير المادي المرتبط بحرف الصناعة التقليدية” والمناظرات المشتركة التي تم تنظيمها في ثلاثة نسخ على هامش الدورة 22 لمؤتمر الأطراف حول التغيرات المناخية (COP22) بمراكش، والدورة 23 (COP23) ببون- ألمانيا والدورة 24 (COP24) بكاتوفيش-بولونيا .وقد خلصت  هذه الدراسة إلىى جرد 16 حرفة مهددة بالانقراض بسبب التغيرات المناخية و خاصة الحرف المرتبطة بالخشب والنسيج والمصنوعات النباتية.

بالإضافة إلى ذلك تمت برمجة مشاريع مشتركة أخرى، كمشروع  “بلورة استراتيجية وطنية للمحافظة على التراث الثقافي الغير المادي المرتبط بحرف الصناعة التقليدية” و مشروع “صون وتثمين المهارات والمعارف المرتبطة بحرف الصناعة التقليدية” الذي سيسمح بالقيام بجرد وطني شامل للحرف المهددة بالانقراض وحصر الصناع الحرفيين الحاملين لهذا التراث، في أفق  منحهم صفة “كنوز إنسانية حية” كاعتراف رسمي لهم على إسهامهم في صون هذا التراث ومساهمتهم الفعلية في عمليات التوثيق والتوصيف التي يشملها برنامج المحافظة.